ابن عربي
317
مجموعه رسائل ابن عربي
وأهل النظر الإلهي بعض ما نذكره الآن وذلك أن من كان عند اللّه خبيثا فلا يغذيه اللّه إلّا بالخبائث من المطاعم ولا تصدر الأفعال الخبيثة إلّا من الخبيثين وكذلك الطيبات من المطاعم وهي الحلال لا يغذي بها اللّه تعالى إلّا من كان عنده من الطيبين وكذلك الطيبون عند اللّه تعالى لا يصدر منهم إلّا الطيبات من الأفعال أو تلك المطاعم بأعيانها إنما أهلت الخبائث التي هي الحرام للخبيثين كما أهلوا لها وكذلك الطيبات مع الطيبين فإنه من أهل لشيء فقد أهل له ذلك الشيء فإن اغتذى الإنسان من الحلال وقلل منه كما قال ( ص ) لحسب ابن آدم لقيمات يقيم بهن صلبه تنشط الجوارح إلى الطاعات وتفرغ القلب إلى المباجاة وتفرغ اللسان التلاوة والذكر والعين للسهر فذهب النوم لقلة الأبخرة المرطبة الجالية النوم فيؤديه أكل الحلال إلى الطاعة والتقليل منه إلى النشاط في الطاعة لا يذهب عنه الكسل وأية فائدة أكبر من هاتين الفائدتين وكان ينبغي لنا أن لا نسعى إلّا في تحصيلها ونرغب إلى اللّه في دوامها فالذي ينبغي لك أيها الابن المرشد نفعني اللّه وإياك أن لا تأكل إلّا مما تعرف إذا كنت موكلا بنفسك فإن رأس الدين الورع والزهد قائد الفوائد وكل عمل لا يصحبه ورع فصاحبه مخدوع فاسع جهدك في أن تأكل من عمل يدك إن كنت صانعا وإلّا فاحفظ البساتين والفدادين والزم الاستقامة فيما تحاوله على الطريقة المشروعة والورع التام الشافي الذي لا يبقى في القلب أثر تهمة أن أردت أن تكون من المفلحين وهذا لا يصح لك إلّا بعد تحصيل العلم المشروع بالمكاسب والحلال والحرام لا بد لك منه هذا إذا كنت موكلا بنفسك فإذا كنت بين يدي شيخ محفوظ في عموم أحواله ورع قد شهد بفضله وقيل به وحاله مطابق ما يشهد فيه ونجد في نفسك الاحترام له والتعظيم لحقه الذي هو أصل منفعتك ونجاتك على يديه فإن حرمت احترامه فاطلب غيره فإنك لا تنتفع به أصلا ما لم تصحبه بالحرمة فإن كان أفضل الناس وأعلم الناس وتسيء به الظن فإنك لا تنتفع به أبدا فإذا وجدت من تحصل في نفسك حرمته فاخدمه وكن ميتا بين يديه يصرفك كيف يشاء لا تدبير لك في نفسك معه تعيش سعيدا مبادرا لامتثال ما يأمرك به وينهاك عنه فإن أمرك بالحرفة فاحترف فهو أعرف بمصالحك منك عن أمره لا عن هواك وإن أمرك بالقعود فاقعد عن أمره لا عن هواك فإنه أعرف بمصالحك منك وأرغب الناس إلى اللّه في مصالحك على يديه منك فإنك تكون من أنواره التي نسعى بين يديه ومن حيث الآخرة الإيمانية بالنصح المندوب إليه شرعا الذي هو الدين وكذلك أيضا من حيث أنه يجدك في ميزانه ترجح ما خف منه ومن